وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى مرحلة حرجة توُصف بـ «النفق المظلم»، وسط محاولات لفرض شروط تعجيزية من الطرفين وصلت بالمباحثات إلى طريق مسدود، إذ تسعى طهران لتأمين غطاء دبلوماسي لإنهاء حصارالحرب، وتواجه الدبلوماسية الإيرانية، بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، تحديات معقدة ومستمرة لمحاولة الخروج من هذا النفق، وتوقيع اتفاق ينقذ المنطقة من حرب إقليمية تحمل ملامح حرب عالمية تلوح في الأفق، إذ يمثل الملف النووي عقبة كؤود أمام تحقيق الاتفاق، حيث يصرالرئيس ترامب على إعلان النصرعلى إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في شهر نوفمبرالمقبل، في حين ترفض إيران تقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف وتصرعلى إمتلاك برنامج نووي سلمي، دون تفكيك منشاَتها كما تطلب واشنطن، ولذا دخلت المفاوضات بين أمريكا وإيران مرحلة تكسير العظام، بعد أن ردت إيران على مقترح أميركي جديد يهدف إلى إنهاء الحرب، ما يؤكد أن التواصل مستمر مع واشنطن رغم تقاريرإعلامية وصفت مطالب واشنطن بالمفرطة، في وقت بدا فيه أن المحادثات بين الجانبين لا تزال متعثرة، فيما حذر مسؤولون أمريكيون من نفاد الوقت وتجدد القتال، في ظل تغييرالدولتين شروطهما لوقف الحرب.
تشهد المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تبادلاً مستمراً للضغوط، حيث تميل واشنطن نحو إبداء مرونة إستراتيجية في الجانب النووي تفادياً للانجرار للحرب الشاملة، عبر قبول نشاط نووي سلمي محدود، بينما تحاول طهران تقديم تنازلات تكتيكية عبر تسليم مقترحات معدلة تتضمن تجميداً طويلاً للأنشطة النووية بدلاً من التفكيك الكامل، فيما تتصاعد حدة التوترات بين واشنطن وطهران مع تعثّر مسار التفاوض وتوسّع فجوة الشروط بين الطرفين، فيما تتزايد المؤشرات الميدانية والسياسية على احتمال عودة العمليات العسكرية، وفي حين يتمسك كل طرف بشروطه القصوى، يبدو الوقت يضغط على الجميع، الداخل الأميركي من بوابة استحقاقات التجديد النصفي للكونجرس والأوضاع الاقتصادية المؤلمة، وعلى الداخل الإيراني نتيجة انقسامات الرأي وعجز النظام عن إنتاج قرار تفاوضي موحّد ينهي الأزمة، قال الحرس الثوري الإيراني إن كابلات الألياف الضوئية للإنترنت التي تمر عبرمضيق هرمز يمكن أن تُخضع لنظام تصاريح، وهو ما أكده منشور للحرس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه: «عقب فرض سيطرتنا على مضيق هرمز، يمكن لإيران، استناداً إلى سيادتها المطلقة على قاع وباطن البحر في مياهها الإقليمية، أن تعلن إخضاع كل كابلات الألياف الضوئية المارة عبر هذا الممرالمائي لنظام تصاريح»، فيما أبدت واشنطن مرونة تمثلت في السماح لإيران بمواصلة أنشطة نووية سلمية محدودة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما وافقت على الإفراج عن ربع الأصول الإيرانية المجمدة فقط، وفق جدول زمني مرحلي، في حين تمثلت التنازلات الإيرانية في الموافقة على تجميد نووي طويل بدلاً من تفكيك كامل، بشرط نقل اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يقدر بـ400 كيلوغرام إلى روسيا بدلاً من أمريكا، أما عن التعويضات فتراجعت إيران عنها مطالبة بتسهيلات اقتصادية بدلاً منها.
على وقع الردود الأميركية على المقترح الإيراني الأخير ورد طهران، والتي تُوصف بمفاوضات الفرصة الأخيرة، وسط جهود دبلوماسية مكثفة وحاسمة من الوسطاء لوقف التصعيد وإنهاء الحرب الدائرة، يتصدر المشهد حالياً مساران رئيسيان، أحدهما أمريكي والاَخر إيراني، إذ تركزت المحادثات حول 5 شروط أمريكية رئيسة حسب الرؤية الترامبية في مقدّمتها ضرورة تسليم إيران 400 كيلو جرام من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة دون غيرها، وإبقاء مجموعة واحدة فحسب من المنشآت النووية قيد التشغيل، فضلاً عن رفض واشنطن لأي تعويضات أو أضرار تطالب بها إيران، ومعارضتها لربط وقف الحرب على الجبة الإيرانية بجميع الساحات بمسار التفاوض خصوصاً في لبنان، وعدم فرض رسوم على السفن العابرة من مضيق هرمز، فيما تتمسك طهران برفع العقوبات كافة، والاعتراف بما تصفه بسيادتها على مضيق هرمز وإنهاء الحرب على جميع الجبهات وهو ما ترفضه أمريكا ،ما أدى إلى تباطؤ المفاوضات، وهوما حث الرئيس الأمريكي على القول، إنه كان من المقرر شن هجوم ضد إيران (الثلاثاء الماضي)، لكنه قررعدم تنفيذه، استجابة لطلب من دول خليجية، وبينما قال ترامب إن هناك مفاوضات جدية تجري مع إيران، هددها قائلاً: «لقد أصدرتُ تعليماتي للجيش بالاستعداد لشنّ هجوم شامل وواسع النطاق على إيران في أي لحظة، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مقبول، وأتوقع التوصل إلى اتفاق يتضمن بشكل أساسي، عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية»، وكان الرئيس الأمريكي قد نشر سابقاً عبرحسابه في منصة "تروث سوشيال" منشوراً قال فيه " بالنسبة لإيران، الوقت ينفد، وعليها أن تتحرك بسرعة، الوقت عامل حاسم، مهدداً بأنه "لن يبقى شيء" من إيران، إذا لم يبرم اتفاق.
ينذر الموقف الإيراني المتصاعد بعودة العمليات العسكرية، في ظل مسار إيراني يرفض الشروط الأمريكية التعجيزية التي تجرد طهران من برنامجها النووي الذي ضحت بالكثير من أجل تشييده عدة عقود، من أجل إرضاء واشنطن والاحتلال، في ظل رفض دول إقليمية من تغيير النظام في إيران خوفاً من تقسيم الدولة، وهو ما يجعل القوى الإقليمية المجاورة لها مثل باكستان وتركيا وبعض دول الخليج في موقف الرافض لأي تغيير جذري، ما يُقيّد الخيارات أمام ترامب، إذ تصر واشنطن على تسلم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، باعتبارها إعلان حسن نية من جانب إيران للدخول في مفاوضات مباشرة،إذ يلخص المشهد حالياً مرحلة تكسير العظام من الجانبين، لتحقيق أكبر قدرمن المكاسب عبرالمفاوضات، لكن لازالت تلوح في الأفق حرباً جديدة ستكون نتائجها وخيمة بكل المقاييس، لأنها ستركز من جانب الطرفين على البنى التحتية المهمة مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه.
يراهن ترامب على تحقيق نصر إستراتيجي يسهم في دعم حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المُقبلة خلال شهر نوفمبر، وفي حال لم يحقق النصر في هذه الحرب ستكون النتائج كارثية، في ظل رفض الكثير من الأميركيين لهذه الحرب وسؤالهم عن جدواها في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة وارتفاع أسعار الوقود والسلع، وفي المقابل تواجه الإدارة الإيرانية ضغوطاً داخلية في حال استمرار الحرب نتيجة فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية والذي أدى لوقف ضخ البترول إلى الخارج، ولذا تتمسك بإدارة مضيق هرمز بعد أن بات يُمثّل "خيار نووي اقتصادي"، للضغط على أمريكا وجميع دول العالم، خصوصاً أن طهران تعتبرأن إمتلاكها برنامج نووي سلمي حق لها ولن تتنازل عنه على أن تكون نسبة التخصيب متدنية ولا تزيد على 3.6%، على اعتبار أن القيادات العسكرية هي من تُدير المشهد فعلياً، لكنها غير قادرة على المضيّ في مفاوضات سياسية مع واشنطن تستلزم تنفيذ تنازلات كثيرة.
على صدى المثل العربي الشهير«أسمعُ جَعْجَعةً ولا أرى طِحْنًاً» والذي يصف الفجوة بين القول والفعل، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في زيارة وصفت بـ «التاريخية»، وغادرها بعد ثلاثة أيام بـ «بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ» دون تحقيق أي اختراقات في الملفات المهمة، بعد قمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ، إذ لم تعقد صفقات تجارية ضخمة، ولم يحصل ترامب على مساعدة ملموسة من بكين لإنهاء حربه مع إيران، بعد أن كشف مستثمرون أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقتها، بعد أن غاب شي عن استقبال ترامب في المطار، وسط توترات إقليمية وعالمية بفعل حربي إيران وأوكرانيا وإرتفاع أسعار النفط نتيجة غلق مضيق هرمز، إذ ألقت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصين والقيود التكنولوجية المتبادلة بين البلدين بظلالها على المباحثات التي استمرت ثلاثة أيام دون الوصول لحلول نهائية للملفات الاقتصادية أو السياسية، ورغم المظاهر الاحتفالية التي صاحبت الزيارة، حذر شي ترامب بأن أي سوء تعامل مع قضية تايوان قد يتطور إلى صراع بين الدولتين من دون أن يعلّق ترامب على الأمر، الذي أعلن أن الرئيس الصيني لا يوافق على إمتلاك طهران للأسلحة النووية، فضلاً عن حديث الرئيس الأمريكي عن رغبة الزعيمين في إعادة فتح مضيق هرمز قبالة إيران، واهتمام شي بشراء النفط الأمريكي لتقليل اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط.
توصلت المفوضات إلى عقد اتفاقات لبيع منتجات زراعية أمريكية للصين وإنشاء آليات لإدارة التجارة مستقبلاً، مع توقع أن يحدد الطرفان بضائع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار، فيما لم يحدث إختراق بشأن بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة "نفيديا" إلى الصين، وقال ترامب إن الصين وافقت على طلب 200 طائرة من شركة بوينغ، رغم الحديث عن شرائها 500 طائرة قبل الزيارة، وهي أول عملية شراء لطائرات تجارية أمريكية الصنع منذ نحو عقد، لكن الرقم جاء أقل بكثير مما كانت الأسواق تتوقعها، ما أدى إلى هبوط أسهم بوينغ بأكثر من 4%، كما لم تؤكد الصين هذه التصريحات أو تنفها، في حين لم يسفر حل مشكلة إمدادات المعادن الأرضية النادرة التي أدت إلى توترالعلاقات منذ أن فرضت الصين قيوداً على تصدير تلك المعادن الحيوية إلى أمريكا، رداً على الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب في أبريل 2025.
رغم سعى الرئيس الأميركي إلى العودة من بكين بإنجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، خصوصاً مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتداعيات الحروب في الشرق الأوسط، خصوصاً في إيران وغزة ولبنان، لكن الزيارة كانت فرصة للصين لإظهار نفسها قوة استقرار سياسي و اقتصادي عالمي في مواجهة الهيمنة الأمريكية التي باتت على المحك بسبب فقد الإدراة الأمريكية للعدالة في التعامل مع القضايا الدولية خصوصاً قضايا الشرق الأوسط، ودعمها المستمر لإسرائيل للاستيلاء على أراضِ عربية في فلسطين ولبنان وسوريا فضلاً عن سعيها لتقسيم الدول العربية، شهدت زيارة ترامب للصين مشاهد صادمة أولها عدم استقبال الرئيس الصيني لترامب في المطار، وضمت قائمة المستقبلين شخصيات تُعد من أبرز مراكز القوة في الصين، من بينهم تساي تشي عضو اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي والمقرب من الرئيس الصيني، ووانغ يي وزير الخارجية، وهي ليفنغ نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن المفاوضات التجارية مع واشنطن، إلى جانب وزراء الدفاع والمالية والتجارة، وعدد من كبار المسؤولين المعنيين مباشرة بالعلاقات الأمريكية الصينية.
حرص ترمب على الإشادة المتكررة بشي جين بينغ، واصفاً إياه بأنه «قائد عظيم» و«صديق»، بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنَّاءة» بين البلدين، ولذا جاءت النتائج الاقتصادية محدودة مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الأميركيين للرئيس الأميركي، بينهم مسؤولون من شركات بوينغ وإنفيديا وطاقة ومال وتكنولوجيا كبرى، دون عقد صفقات كبرى، فيما أعلن ترمب أن الصين أبدت اهتماماً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية، وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس الأميركي؛ لأن صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الأميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسة للحزب الجمهوري، قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن امتنعت وزارة الخارجية الصينية عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب، ما جعلها مجرد تفاهمات غير ملزمة لبكين التي تنتظر أن تبدأ واشنطن بمد يد التعاون.
وأقول لكم، إن كثير من الملفات الشائكة بين البلدين لم يعلن عن حدوث اختراق فيها، خصوصاً قضية التكنولوجيا، فرغم مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الأميركي، لم تظهر أي مؤشرات على انفراج حقيقي في أزمة الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ولا تزال واشنطن تمنع الشركات الصينية من الحصول على أكثر رقائق "إنفيديا» تطوراً، بحجة حماية الأمن القومي الأميركي، ما يمنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وفرضت الحرب الإيرانية نفسها بقوة على المناقشات الاقتصادية، خصوصاً بسبب تأثيرها المباشرعلى أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، فقد أشار ترمب إلى أن شي أبدى استعداداً للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية، مضيفاً إنه لا يمانع أن تعلق إيران برنامجها النووي لمدة 20 عاماً، لكن يجب أن يكون هناك التزام "حقيقي" من طهران، وأن نظيره الصيني شي جين بينغ يؤيد عدم حصول إيران على سلاح نووي، وصرّح ترامب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة أثناء عودته إلى واشنطن: "إن (شي) يشعر بقوة أنه لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي، ويريدهم أن يفتحوا مضيق هزمز لصادرات النفط والغاز المسال، ويمكن القول إن أهم نتائج قمة بكين هي الحفاظ على استقرار مؤقت في العلاقات بين الدولتين بلا اختراقات كبرى، وتهدئة الأجواء ومنع التصعيد السياسي أوالاقتصادي، لكنهما لم يقتربا فعلياً من حل الخلافات الجوهرية، دون تحقيق مصالحة اقتصادية شاملة، في وقت يظل فيه مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






